فصل: فوائد تتعلق بهذا الخبر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير **


 سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين

في شوال سنة ثمان قال ابن سعد قالوا‏:‏ لما أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسير إلى الطائف بعث الطفيل ابن عمرو إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسي يهدمه وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف فخرج سريعاً إلى قومه فهدم ذا الكفين وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه ويقول‏:‏ يا ذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا أنا حششت النار في فؤادكا قال وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعاً فوافوا النبي صلّى الله عليه وسلّم بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام وقدم بدابة ومنجنيق وقال ‏"‏ يا معشر الأزد من يحمل رايتكم ‏"‏ فقال الطفيل‏:‏ من كان يحملها في الجاهلية قالوا النعمان بن الرزاية اللهيي قال ‏"‏ أصبتم ‏"‏‏.‏

  غزوة الطائف

في شوال سنة ثمان قال ابن سعد قالوا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حنين يريد الطائف وقدم خالد بن الوليد على مقدمته وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة فلما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم وتهيئوا للقتال وسار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنزل قريباً من حصن الطائف وعسكر هناك فرموا المسلمين بالنبل رمياً شديداً كأنه رجل جراد حتى أصيب من المسلمين ناس بجراحة وقتل منهم اثنا عشر رجلاً فارتفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى موضع مسجد الطائف اليوم وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب فضرب لهما قبتين وكان يصلي بين القبتين حصار الطائف كله فحاصرهم ثمانية عشر يوماً ويقال خمسة عشر يوماً‏.‏

وقال ابن إسحاق بضعاً وعشرين ليلة‏.‏

وقال ابن هشام سبعة عشر يوماً ونصب عليهم المنجنيق وهو أول ما رمي به في الإسلام فيما ذكر ابن هشام‏.‏

روينا عن ابن سعد قال أنا قبيصة بن عقبة قال أنا سفيان الثوري عن ثور ابن يزيد عن مكحول أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوماً‏.‏

قال ابن إسحاق حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحت دبابة ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالاً فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقطع أعتاب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون‏.‏قال ابن سعد ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ فإني أدعها لله وللرحم ‏"‏‏.‏

ونادى منادي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طأيما عبد نزل إليّ من الحصن وخرج إلينا فهو حر ‏"‏‏.‏

فخرج منهم بضعة عشر رجلاً فيهم أبو بكرة نزل في بكرة فقيل أبو بكرة فعتقهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة ولم يؤذن لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في فتح الطائف‏.‏

واستشار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نوفل بن معاوية الديلي فقال ‏"‏ ما ترى ‏"‏ فقال ثعلب في حجر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضررك فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمر بن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا نرحل ولم يفتح علينا الطائف فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ فاغدوا على القتال ‏"‏ فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ إنا قافلون إن شاء الله ‏"‏ فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يضحك وقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ قولوا لا إله إلا الله وحده صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ‏"‏ فلما ارتحلوا واستقلوا قال ‏"‏ قولوا آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ‏"‏‏.‏

وقيل يا رسول الله ادع الله على ثقيف قال ‏"‏ اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم مسلمين ‏"‏‏.‏

 

تسمية من استشهد بالطائف

عن ابن إسحاق سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس وعرفطة بن خباب حليف لهم من الأزد بن الغوث قال ابن هشام ويقال حباب وعبد الله ابن أبي بكر الصديق رمي بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعبد الله بن أمية المخزومي وعبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حليف لهم والسائب بن الحارث السهمي وأخوه عبد الله‏.‏

ومن بني سعد بن ليث جليحة بن عبد الله ومن الأنصار ثابت بن الجذع السلمي والحرث بن سهل بن أبي صعصعة المازني النجاري والمنذر بن عبد الله الساعدي ومن الأوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الطائف إلى الجعرانة وبها قسم غنائم حنين كما تقدم‏.‏

قال ابن سعد ثم بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المصدقين قالوا لما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هلال المحرم سنة تسع بعث المصدقين يصدقون العرب فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم وبعث يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار ويقال بعث كعب بن مالك وبعث عباد بن بشر الأِشهلي إلى سليم ومزينة وبعث رافع بن مكيف إلى جهينة وبعث عمرو بن العاص إلى بني فزارة وبعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب وبعث بسر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب وبعث ابن الأتبية الأزدي إلى بني ذبيان وبعث رجلاً من بني سعد هذيم على صدقاتهم وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مصدقيه فأن يأخذوا العفو منهم ويتوقوا كرائم أموالهم‏.‏

قال ابن إسحاق وبعث المهاجرين ابن أمية إلى صنعاء فخرج عليه العنسي وهو بها وبعث زياد بن لبيد إلى حضرموت وبعث عدي بن حاتم على طيء وبني أسد وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة وفرق صدقات بني سعد على رجلين‏:‏ الزبرقان بن بدر على ناحية وقيس بن عاصم على ناحية والعلاء بن الحضرمي على البحرين وبعث علياً إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم‏.‏

 

سرية عيينة إلى بني تميم

وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم وذلك في المحرم سنة تسع قالوا بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارساً من العرب ليس فيهم مهاجريٌ ولا أنصاري فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحراء فدخلوا وسرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع ولوا وأخذ منهم أحد عشر رجلاً ووجدوا في المحلة إحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبياً فجلبهم إلى المدينة فأمر بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث فقدم فيهم عدة من رؤسائهم عطارد بن حاجب والزبرقان ابن بدر وقيس بن عاصم والأقرع بن حابس وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد وعمرو بن الأهتم ورباح بن الحارث بن مجاشع فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري فجعلوا وجاءوا إلى باب النبي صلّى الله عليه وسلّم فنادوا يا محمد اخرج إلينا فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكلمونه فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد فقدموا عطارد ابن حاجب فتكلم وخطب فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم ونزل فيهم ‏"‏ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ‏"‏ فرد عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأسرى والسبي‏.‏

وذكر ابن إسحاق ما وقع بينهما من المفاخرة وما وقع بين الشاعر وبين الزبرقان بن بدر وحسابن ثابت من المفاخرة نظماً فأنشد الزبرقان‏:‏ نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الأحياء كلهم عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن نطعم عند القحط مطعمنا من الشواء إذا لم يؤنس الفزع بما ترى الناس يأتينا سراتهم من كل أرض هوياً ثم نصطنع فننحر الكوم عبطاً في أرومتنا للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا فلا ترانا إلى حي نفاخرهم إلا استقادوا فكانوا الرأس يقتطع إنا أبينا ولم يأب لنا أحد إنا كذلك عند الفخر نرتفع وأنشد لحسان مجيباً له‏:‏ إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بهم كل من كانت سريرته تقوى الإله وكل الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة إن الخلائق فاعلم شرها البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرفع الناس يوماً فاز سبقهم أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا أعفة ذكرت في الوحي عفتهم لا يطبعون ولا يؤذي بهم طبع لا يبخلون على جار بفضلهم ولا يمسهم من مطمع طمع إذا نصبنا لحي لم ندب له كما يدب إلى الوحشبية الذرع نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها إذا الزعانف من أظفارها خشعوا فإن في حربهم فاترك عداوتهم شراً يخاض عليه السم والسلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفاوتت الأهواء والشيع أهدي لهم مدحتي قلب يؤازره فيما أحب لسان حائك صنع فإنهم أفضل الأحياء كلهم إن جد بالناس جد القول أو شمعوا فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولأصواتهم أعلى من أصواتنا فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأحسن جوائزهم‏.‏

 

فوائد تتعلق بهذا الخبر

والكلام على شيء من غريب شعره الأقرع بن حابس لقب واسمه فراس وكان في رأسه قرع فلقب بذلك‏.‏

ذكر ذلك عن ابن دريد‏.‏

واسم عيينة بن حصن حذيفة وكانت عينه جحظت فلقب بذلك‏.‏

والزبرقان القمر قال الشاعر‏:‏

تضيء به المنابر حين يرقى ** عليها مثل ضوء الزبرقان

والزبرقان الخفيف العارضين واسمه الحصين‏.‏

وقوله إذا لم يؤنس الفزع يريد إذا كان الجدب ولم يكن في المساء سحاب يتفزع‏.‏

والتفزع تفرق السحاب‏.‏

والكوم جمع كوماء وهي العظيمة السنام‏.‏والاعتباط الموت في الحداثة‏.‏

قال من لم يمت عبطة يمت هرماً‏.‏

ومتعوا ارتفعوا متع النهار إذا ارتفع‏.‏

والذرع ولد البقر وجمعه ذرعان‏.‏

وبقرة مذرع إذا كانت ذات ذرعان‏.‏

والسلع شجر مر‏.‏

وشمعوا أي ضحكوا وفي الحديث ‏"‏ من تتبع المشمعة شمع الله به ‏"‏ يريد من ضحك من الناس فأفرط في المزح وشمعت الجارية والدابة شموعاً لعبت ومعناه في البيت هزلوا ومنه امرأة شموع إذا كانت مزاحة‏.‏

وذكر أن قيس بن عاصم كان يبغض عمرو بن الأهتم الذي ضرب أباه فهتم فاه فشهر الأهتم واسمه سنان بن سمي فغض منه بعض الغض عند رسو الله صلّى الله عليه وسلّم ومع ذلك فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما أعطى القوم‏.‏

ولما دار بين عمرو وزبرقان قال عليه السلام يومئذ ‏"‏ إن من البيان لسحراً ‏"‏‏.‏

وذلك أن عمراً قال في الزبرقان إنه لمطاع في أدينه سيد في عشيرته فقال الزبرقان لقد حسدني يا رسول الله لشرفي ولقد علم أفضل مما قال فقال عمرو إنه لزير المروءة ضيق العطن لئيم الخال فعرف الإنكار في وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت وسخطت فقلت أقبح ما علمت ولقد صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية‏.‏ويقال كانت أم الزبرقان باهلية فذلك أراد عمرو‏.‏إلى خثعم بناحية بيشة قريباً من تربة في صفر سنة تسع قال ابن سعد قالوا بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قطبة في عشرين رجلاً إلى حي من خثعم بناحية تباة وأمره أن يشن الغارة فخرجوا على عشرة أبعرة يتعقبونها فأخذوا رجلاً فسألوه فاستعجم عليهم فجعل يصيح بالحاضرة ويحذرهم فضربوا عنقه ثم أقاموا حتى نام الحاضر فشنوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعاً وقتل قطبة بن عامر من قتل وساقوا النعم والشاء والنساء إلى المدينة وجاء سيل أتى فحال بينهم وبينه فيما يجدون إليه سبيلاً وكانت سهمانهم أربعة أبعرة والبعير يعدل بعشر من الغنم بعد أن أفرد الخمس‏.‏

 

سرية الضحاك إلى بني كلاب

في شهر ربيع الأول سنة تسع قالوا بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جيشاً إلى القرطاء عليهم الضحاك ابن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكلابي ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط فلقوهم بالزخ زخ لاوة فدعوهم إلى الإسلام فأبو فقاتلوهم فهزموهم فلحق الصيد أباه سلمة وسلمة على فرس له على غدير بالزخ ودعا أباه إلى الإسلام وأعطاه الأمان فسبه وسب دينه فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء ثم استمسك حتى جاء أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه‏.‏

الزخ بالزاي والخاء المعجمتين‏.‏

 

سرية علقمة إلى الحبشة

في شهر ربيع الآخر سنة تسع قالوا بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن ناساً من الحبشة تراآهم أهل جدة فبعث إليهم علقمة بن محرز في ثلثمائة فانتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه‏.‏فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأذن لهم فتعجل عبد الله بن حذافة السهمي فيهم فأمره على من تعجل وكانت فيه دعابة فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا ناراً يصطلون عليها ويصطنعون فقال عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار فقام بعض القوم فتحجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها فقال اجلسوا إنما كنت أضحك معكم فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال ‏"‏ من أمركم بمعصية فلا تطيعوه ‏"‏‏.‏

 

سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس

قالوا بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرساً ومعه راية سوداء ولواء أبيض إلى الفلس ليهدمه فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر‏.‏

فهدموا الفلس وحرقوه وملؤا أيديهم من السبي والنعم والشاء‏.‏

وفي السبي أخت عدي بن حاتم وهرب عدي إلى الشام ووجدوا في خزانة الفلس ثلاثة أسياف رسوب والمخذم وسيف يقال له اليماني وثلاثة أدراع‏.‏واستعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على السبي أبا قتادة واستعمل على الماشية والرقة عبد الله بن عتيك فلما نزلوا رككا‏.‏

وعزل للنبي صلّى الله عليه وسلّم صفياً رسوباً والمخدم ثم صار له بعد السيف الآخر وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة‏.‏

والفلس بضم الفاء وسكون اللام‏.‏

 

سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب

أرض عذرة وبلي وكانت في شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة خبر كعب بن زهير مع النبي وقصيدته قال ابن إسحاق ولما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من منصرفه عن الطائف كتب بجبير ابن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعري وهبيرة ابن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك وكان كعب قد قال‏:‏ ألا أبلغا عني بجيراً رسالة فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا فبين لنا إن كنت لست بفاعل على أي شيء غير ذلك دلكا على خلق لم تلف أماً ولا أباً عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا فإن كنت لم تفعل فلست بآسف ولا قائل إما عثرت لعاً لكا سقاك بها المأمون كأساً روية فأنهلك المأمون منها وعلكا قال وبعث بها إلى بجير فلما أتت بجيراً كره أن يكتمها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنشده إياها فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ سقاك بها المأمون صدق وإنه لكذوب وأنا المأمون ‏"‏ ولما سمع على خلق لم تلف أماً ولا أباً عليه قال ‏"‏ أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه ‏"‏‏.‏

ثم قال بجير لكعب‏:‏ إلى الله لا العزى ولا اللات وحده فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت من النار إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير هو لا شيء دينه ودين أبي سلمى علي محرم فلم بلغ كعباص الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه فقالوا هو مقتول فلما لم يجد من شيء بداً قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين صلى الصبح فصلى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم أشار له إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقم إليه واستأمنه فذكر لي أنه قام إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى جلس إليه فوضع يده في يده وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يعرفه فقال يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ نعم ‏"‏ وقال أنا يا رسول الله كعب بن زهير‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ دعه عنك فإنه قد جاء تائباً نازعاً ‏"‏‏.‏

قال فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم‏:‏ بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ برزت إلا أغن غضيض الطرف مكحول تجلوا عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول شجت بذي شيم من ماء محنية صاف بأبطح أضحى وهو مثمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه من صوب غادية بيض يعاليل ويل أمها خلة لو أنها صدقت بوعدها أو لو أن النصح مقبول لكنها خلة قد شيط من دمها فجع وولع وإخلاف وتبديل فما تقوم على حال تكون بها كما تلون في أثوابها الغول وما تمسك بالوصل الذي زعمت إلا كما يمسك الماء الغرابيل كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً وما مواعيدها إلا الأباطيل أمست سعاد بأرض لا يبلغها إلا العتاق النجيبات المراسيل من كل نضاخة الذفري إذا عرقت عرضتها طامس الأعلام مجهول ترمي النجاد بعيثي مفرد لهق إذا توقدت الحزاز والميل ضخم مقدها فعمم مقيدها في خلقها عن بنات الفحل تفضيل حرف أخوها وأبوها من مهجنة وعمها خالها قوداء شمليل يمشي القراد عليها ثم يزلقه منها لبان وأقراب زهاليل عيرانة قدفت بالنحل عن عرض مرفقها عن بنات الزور مفتول قنواء في حرتيها للبصير بها عنق مبين وفي الخدين تسهيل كأن ما فات عينيها ومذبحها من خطمها ومن اللحيين برطيل تمر مثل عسيب النخل ذا خصل في غارز لم تخونه الأحاليل تهوى على يسرات وهي لاهية ذوابل وقعهن الأرض تحليل سمر العجايا يتركن الحصي زيماً لم يقهن سواد الأكم تنعيل أوب يدي فاقد شمطاء معولة قامت فجاوبها نكد مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها لما نعى بكرها الناعون معقول تذري اللبان بكفيها ومدرعها مشقق عن تراقيها رعابيل تمشي الغواة بجنبيها وقولهم إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول وقال كل صديق كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا طريقي لا أبا لكم فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول أنبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال - - قرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولم كثرت في الأقاويل لقد أقوم مقاماً لو يقول به يرى ويسمع ما قد أسمع الفيل لظل يرعد من وجد بوادره إن لم يكن من رسول الله تنويل يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما لحم من الناس معفور خراديل إذا يساور قرناً لا يحل له أن يترك القرن إلا وهو مفلول منه تظل سباع الجو نافرة ولا تمشي بواديه الأراجيل إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب إذا عرد السود التنابيل شم العرانين أبطال لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل بيض سوابغ قد شكت لها حلق كأنها حلق القفعاء مجدول ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم وما لهم عن حياض الموت تهليل قال ابن هشام‏:‏ قال كعب هذه القصيدة بعد قدومه على النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة إسحاق‏:‏ قال عاصم بن عمر بن قتادة فلما قال كعب إذا عرد السود التنابيل وإنما يريد معشر الأنصار لما كان صاحبنا صنع به وخص المهاجرين من قريش من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمدحته غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار ويذكر بلاءهم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وموضعهم من اليمن‏:‏ من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابراً عن كابر إن الخيار هم بنو الأخيار الباذلين نفوسهم لنبيهم يوم الهياج وفتية الأحبار والذائدين الناس عن أديانهم بالمشرفي وبالقنا الخطار المكرهين السمهري بأدرع كسوالف الهندي غير قصار والناظرين بأعين محمرة كالجمر غير كليلة الإبصار والبائعين نفوسهم لنبيهم للموت يوم تعانق وكرار يتطهرون يرونه نكساً لهم بدماء من علقوا من الكفار دربوا كما دربت ببطن خفية غلب الرقاب من الأسود ضوار لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدقني الذين أماري قوم إذا خوت النجوم فإنهم لطارقين النازلين مقاري في العز من غسان في جرثومة أعيت محافرها على المنقار فوائد تتعلق بهذا الخبر أبي سلمى ربيعة بن رياح أحد بني مزينة‏.‏

والمأمون يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم وكانت قريش تسميه أيضاً الأمين‏.‏

ولعاً كلمة تقال للعاثر دعاءً له بالإقالة‏.‏

تبلت المرأة فؤاد الرجل رمته بهجرها فقطعت قلبه‏.‏

ومعلول من العلل وهو الشرب الثاني والأول النهل ومنه قوله منهل ويستعمل معلول أيضاً من الاعتلال كما يقوله الخليل في العروض‏.‏

حكاه ابن القوطية ولم يعرفه ابن سيده‏.‏

وشجت بذي شيم يعني الخمر وشجت كسرت من أعلاها لأن الشجة لا تكون إلا في الرأس والشيم البرد والشيم البارد‏.‏

قال الأصمعي وقال شج الشيء إذا علاه ومن هذا شج الشراب وهو أن يعلوه بالماء فيمزجه به‏.‏

ومشمول ضربه الشمال‏.‏

وأفرطه أي ملأه‏.‏

عن السهيلي وعن غيره سبقه وتقدمه‏.‏

واليعاليل السحاب وقيل جبال ينحدر الماء من أعلاها‏.‏

واليعاليل أيضاً الغدران واحدها يعلول لأنه يعل الأرض بمائه‏.‏

وقال ابن سيده اليعلول الحبابة من الماء وهو أيضاً السحاب المطرد‏.‏

وقيل القطعة البيضاء من السحاب‏.‏واليعلول المطر بعد المطر‏.‏

وبعد هذا البيت في القصيدة وليس في الرواية‏:‏ من اللواتي إذا ما خلة صدقت يشفي مضاجعها شم وتقبيل بيضاء مقبلة عجزاء مدبرة لا يشتكي قصر منها ولا طول قال الخشني شيط مثل شاط يقال شاط دمه إذا سار وشاطت القدر إذا غلت والصواب فيه سيط أي خلط ومزج‏.‏

وكذلك فسره السهيلي أي خلط بلحمها ودمها‏.‏

وهذه الأخلاق التي وصفها بها من الولع وهو عندهم الكذب‏.‏

والخلف والفجع‏:‏ قال ابن سيده الفجيعة الرزيئة بما يكره فجعه يفجعه فجعاً‏.‏

والغول التي تتراءى بالليل‏.‏

والسعلاة التي تتراءى بالنهار من الجن‏.‏

وعرقوب بن صخر من العماليق‏.‏

وقيل بل هو من الوس أو الخزرج وقصته في إخلاف الوعد مشهورة حين وعد أخاه جني نخلة له وعداً بعد وعد ثم جدها ليلاً ولم يعطه شيئاً‏.‏

قاله السهيلي وغيره وقال كن يسكن المدينة يثرب‏.‏

والبيت المشهور مواعيد عرقوب أخاه بيثرب‏.‏

ومن الناس من يقول يترب‏.‏

يعين أرضاً للعماليق ولم تكن يثرب سكنى العماليق فإن كان من ساكني المدينة كما ذكره السهيلي فالبيت مستقيم على الرواية المشهورة‏.‏

النجيبات السلسة السير والنجيبات السريعة‏.‏

والمراسيل السهلة السير التي تعطيك ما عندها عفواً‏.‏

عذافرة صلبة‏.‏إرقال إسراع‏.‏

والتبغيل قال السهيلي ضرب من السير سريع‏.‏

وقال غيره سير البغال عرضتها جهة شوقها‏.‏والنجاد الأرض الصلبة‏.‏واللهق الحمار الوحشي‏.‏

وقال مفرد لأنه يرمي ببصره نحو الأتن ولا يمشي إلا كداً معهن‏.‏

والحزاز ما غلظ من الأرض‏.‏

والميل الإعلام‏.‏

وقال السهيلي ما اتسع من الأرض‏.‏

القوداء الطويلة العنق‏.‏

والشمليل السريعة السير‏.‏

والحرف الناقة الضامر‏.‏

من مهجنة من إبل مستكرمة هجان‏.‏

قال أبو القاسم وقوله أبوها أخوها أي إنها من جنس واحد في الكرم وقيل إنها من فحل حمل على أمه فجاءت بهذه الناقة فهو أبوها وأخوها وكانت للناقة التي هي أم هذه بنت أخرى من الفحل الأكبر فعمها خالها على هذا وهو عندهم من أكرم النتاج‏.‏ واللبان الصدر‏.‏

وأقراب زهاليل خواصر ملس‏.‏

وبنات الزور يعني اللحمات النابتة في الصدر والبرطيل حجر مستطيل وهو أيضاً المعول‏.‏

والعسيب عظم الذنب وجمعه عسبان‏.‏

والخصل شعر الذنب‏.‏

والتخون قالا لأصمعي النتقص والتخون أيضاً التعهد‏.‏

لم تخونه الأحاليل يريد رويت من اللبن‏.‏والأحاليل الذكور‏.‏واليسر اللين والانقياد واليسر السهل‏.‏

قال ابن سيده وإن قوائمه ليسرات أي سهلة واحدتها يسرة ويسرة‏.‏

وتحليل أي قليل‏.‏

والعجيات عصب يكون في اليدين والرجلين الواحدة عجاية‏.‏

والزيم المتفرقة‏.‏

والقور الحجارة السود‏.‏

والعساقيل هنا السراب‏.‏

قال أبو القاسم الخثعمي وهذا من المقلوب أراد وقد تلفعت القور بالعساقيل‏.‏

وقوله شمطاء معولة جعلها شمطاء لأنها يائس من الولد فهي أشد حزناً‏.‏

والخراديل القطع من اللحم وفي الحديث ومنهم المخردل في صفة المارين على الصراط أي تخردل لحمه الكلاليب التي حول الصراط‏.‏والأراجيل جمع جمع وهو جمع أرجل وأرجل جمع رجل‏.‏

والدريس الثوب الخلق‏.‏

زولوا أي هاجروا‏.‏

والتنابيل القصار‏.‏

والفقعاء نبت قاله أبو حنيفة‏.‏

والتهليل الفزع والجبن‏.‏

وكعب بن زهير من فحول الشعراء هو وأبوه وكذلك ابنه عقبة بن كعب وابن عقبة أيضاً العوام وهو القائل‏:‏ ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ملاحة عيني أم عمرو وجيدها وهل بليت أثوابها بعد جدة ألا حبذا أخلاقها وجديدها ومما يستحسن لكعب قوله‏:‏ لو كنت أعجب من شيء لأعجبني سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر ويستحسن له أيضاً قوله في النبي صلّى الله عليه وسلّم‏:‏ تخدي به الناقة الأدماء معتجراً بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم

 

غزوة تبوك

في شهر رجب سنة تسع توجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لغزوة الروم قال ابن إسحاق وكان ذلك في زمن عسرة من الناس وجدب من البلاد وحين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلما يخرج في غزوة إلا كني عليها وورى بغيرها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد الشقة وشدة الزمان فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم وهوفي جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة ‏"‏ يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر ‏"‏ فقال يا رسول الله أتأذن لي ولا فتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجباً بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر فأعرض عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال ‏"‏ قد أذنت لك ‏"‏ ففيه نزلت ‏"‏ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ‏"‏ وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر‏.‏

فأنزل الله فيهم ‏"‏ وقالوا لا تنفروا في الحر ‏"‏ الآية ثم إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وأنفق عثمان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها‏.‏

وذكر ابن سعد قالوا بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن الروم قد جعت جموعاً كثيرة بالشام وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وجاء البكاؤون وهم سبعة يستحملون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال ‏"‏ لا أجد ما أحملكم عليه ‏"‏ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون وهم سالم بن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى المازني وعمرو بن عتمة وسلمة ابن صخر والعرباض بن سارية‏.‏

وفي بعض الروايات وعبد الله بن مغفل ومعقل ابن يسار‏.‏

وعند ابن عائذ فيهم مهدي بن عبد الرحمن‏.‏

وبعضهم يقول البكاؤون بنو مقرن السبعة وهم من مزينة‏.‏

وابن إسحاق يعد فيهم عمرو بن الحام بن الجموح وقال بعض الناس يقول عبد الله بن عمرو المزني بدل ابن المغفل وهرمي بن عبد الله الواقفي‏.‏

وفيما ذكر ابن إسحاق أنه بلغه أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وابن المغفل وهما كذلك فأعطاهما ناضحاً له وزودهما شيئاً من تمر‏.‏وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم‏.‏

قال ابن سعد وهم اثنان وثمانون رجلاً وكان عبد الله بن أبي بن سلول قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين فكان يقال ليس عسكره بأقل العسكرين‏.‏وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق يصلي بالناس واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري وقيل سباع بن عرفطة‏.‏

وذكره ابن هشام والأول أثبت‏.‏

فلما سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة السالمي وأبو ذر الغفاري‏.‏

وشهدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ثلاثين ألفاً من الناس والخيل عشرة آلاف فرس وأقام بها عشرين ليلة يصلي ركعتين ولحقه بها أبو خيثمة السالمي وأبو ذر وهرقل يومئذ بحمص‏.‏

وفيما ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما أراد الخروج خلف علي بن أبي طالب على أهله فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالاً وتخفيفاً منه فأخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نازل بالجرف فقال يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني فقال ‏"‏ كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ‏"‏‏.‏

فرجع علي إلى المدينة‏.‏

ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أياماً إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيها ماءً وهيأت له فيه طعاماً فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالنصف ثم قال والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهيآ لي زاداً ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ث خرج في طلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أدركه حين نزل تبوك وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير ابن وهب إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو نازل بتبوك قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ كن أبا خيثمة ‏"‏ قالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له رسول اله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ أولى لك يا أبا خيثمة ‏"‏ ثم أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخبر فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ خيراً ‏"‏ ودعا له بخير وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين مر بالحجر فقال ‏"‏ لا تشربوا من مائها شيئاً ولا يتوضأ منه للصلاة وما كان عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منها شيئاً ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ‏"‏ ففعل الناس إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره فأما الذي خرج لحاجته فإنه خنق على مذهبه‏.‏

وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء فأخبر بذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال ‏"‏ ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه ‏"‏ ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشفي‏.‏

وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئاً أهدته لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قدم المدينة‏.‏ قال ابن إسحاق بلغني عن الزهري أنه قال لما من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال ‏"‏ لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفاً أن يصيبكم ما أصابهم ‏"‏‏.‏

قال ابن إسحاق فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء ثم إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سار حتى كان ببعض الطريق ضلت ناقته فقال زيد بن اللصيت وكان منافقاً أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال عليه السلام ‏"‏ إن رجلاً يقول ‏"‏ وذكر مقالته ‏"‏ وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها ‏"‏ فذهبوا فجاؤوه بها ثم مضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون تخلف فلان فيقول ‏"‏ دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ‏"‏‏.‏

وتلوم أبو ذر على بعيره‏.‏

فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ماشياً ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ كن أبا ذر ‏"‏ فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ رحم الله أبا ذر يمشي ويموت وحده ويبعث وحده ‏"‏‏.‏

قال ابن إسحاق فحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال لما نفي عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني ثم ضماني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا ذلك به وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عمار فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطأها وقام إليها الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعينونا على دفنه قال فاستهل عبد الله يبكي ويقول صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ‏"‏‏.‏

ثم نزل هو وأصحابه فواروه ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مسيره إلى تبوك وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف‏.‏ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشن بن حمير يشيرون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً والله لكأنكم غداً مقرنين في الحبال إرجافاً وترهيباً للمؤمنين فقال مخشن بن حمير والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما بلغني لعمار بن ياسر ‏"‏ أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل بلى قلتم كذا وكذا ‏"‏ فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله فيهم ‏"‏ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ‏"‏ وقال مخشن بن حمير والله يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي عفى عنه في هذه الآية فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتله شهيداً لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر‏.‏

وذكر ابن عائذ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نزل تبوك في زمان قل ماؤها فيه فاغترف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت فهي كذلك حتى الساعة‏.‏

ولما انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب إيلة فصالح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأعطاه الجزية وأتاه أهل جرباء وأدرح فأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتاباً وهو عندهم وكتب ليحنة بالمصالحة‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليحنة بن رؤبة وأهل إيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيبة لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماءً يردونه ولا طريقاً يردونه من بر أو بحر ‏"‏‏.‏